05/16/2026
أنسام الحرم
لم تكن مكة المكرمة بالنسبة لنا مجرد محطة جديدة في غربة أبي، بل كانت الواحة الروحية التي لملمت شتات أرواحنا بعد سنوات الخوف العجاف في القاهرة.
كانت بلاد الله الحرام فاتحة خير بركتها تفيض على أدق تفاصيل أيامنا، ولم يكن ذلك التدفق مادياً فحسب—رغم الرزق الوفير الذي غمرنا—بل كان فيضاً من السكينة والطمأنينة التي افتقدناها طويلاً.
كان أبي، المهندس، رجلاً يُحب مهنته إلى حد الهيام، بارعاً في تصميم وبناء المباني. ولم تكن مهارته في حسابات الخرسانة والحديد فقط، بل في قدرته العجيبة على أسر قلوب من يتعاملون معه؛ بدأت تلك المحبة من كفيله السعودي الذي كان يرى فيه الأمانة والمهارة والبركة، وامتدت لتصل إلى أصغر عامل من عمال الحرم الباكستانيين الذين يرتدون ملابسهم الزرقاء المميزة.
كان لأبي مع هؤلاء العمال صولات وجولات يومية من الضحك،والدعابة العفوية التي تكسر حدة الغربة. في كل يوم، عند الساعة الخامسة فجراً، وقبل أن تبدد خيوط الشمس عتمة الليل، كان أبي يقف في صحن الحرم بهيام وتأمل يراقبهم وهم يمسحون الأرض الرخامية الطاهرة بتلك المساحات الخشبية الضخمة في حركة جماعية متناغمة تشبه الأمواج. لم تكن مجرد مراقبة عابرة، بل كانت طقساً روحانياً يعقبه توزيع ما تيسر من الصدقات عليهم، يمازح هذا ويدعو لبوادر ذاك، لترتسم على وجوههم ابتسامات عريضة تُنير ملامحهم المتعبة، ثم يصلي الفجر ويعود إلى بيتنا مع تباشير الصباح وقلبه يفيض بالسلام.
ومع مرور الأيام في مكة، كنا نكبر بسرعة ملحوظة. ويبدو أن رياح مكة المكرمة الجافة، وجوها الصحراوي الحار، كانا يحملان دواءً خفياً لأجسادنا ؛ فقد بدأت نوبات "الأنيميا المنجلية" تهدأ قليلاً، وتباعدت تلك الزيارات المفزعة والباكية التي كنا نقضيها تحت أضواء الطوارئ الفلورية ووسط صراخ الإبر.
كان وراء هذا الاستقرار جيش غير مرئي، يقوده أب مخلص لا يعرف الكلل، وأمٌّ هي "زهرة" بكل ما يحمله الاسم من بهاء وتضحية؛ ربة منزل ماهرة من طراز فريد، كان شغلها الشاغل وهمها الذي لا ينام هو الاعتناء ببناتها الثلاث، ومحاربة هذا المرض الغامض الذي لم يكن مفهوماً علمياً بشكل كامل في ذلك الوقت. وفي وسط هذه المعركة الصامتة، كان صغيرنا الفتي "فارس" ينمو أمام أعيننا مثل نبتة طيبة، يزداد وسامة وتتضح ملامح رجولته الفطرية يوماً بعد يوم، يحيطنا بخوفه الشديد علينا، ويحرس طفولتنا بحب جارف كأنه يمتص كل أوجاعنا.
خلطات الدعم
بينما كانت تحاليل دمائنا الدورية تأتي دائماً بأرقام صاعقة، وصورة دم سيئة تُقلق بال أطباء الدم الذين لم نكن نفوّت فرصة لزيارتهم في عياداتهم ومستشفياتهم، كان لأبي وأمي "مستشفى موازٍ" خاص جداً داخل البيت! كانا يرفضان الاستسلام لتلك الأرقام اللعينة في الأوراق الطبية. لم يتركا فرصة، ولا نصيحة، ولا وصفة شعبية يسمعان عنها من قريب أو بعيد، إلا وقررا تجربتها فوراً لإنقاذ ورداتهم الثلاث.
تحول مطبخنا في مكة إلى معمل كيميائي تديره أمي بقلب يرتجف خوفاً وأملًا. وبدأت رحلتنا الشاقة والممتعة مع الأعشاب الطبيعية، والعسل الجبلي الأصلي، والشوربات الغريبة، وكميات لا تنتهي من اللحوم الحمراء والبروتينات، وكل ما يُشاع بين الناس أن فيه شفاءً بأمر الله؛ فكانا يبذلان الغالي والنفيس ويشتريان أغلى المكونات لعل خطة منزلية تنجح في رفع الهيموجلوبين ولو درجة واحدة.
وفي غمار هذا البحث المستميت عن الصحة، جاءت "المؤامرة الغذائية الكبرى" من حيث لا نحتسب، وتحديداً من قلب الحرم المكي!
في صباح أحد الأيام، عاد أبي من صلاة الفجر وعلى وجهه علامات النصر والابتهاج، كأنه عثر على كنز مفقود. لقد التقى في الحرم بأحد العمال الباكستانيين المقربين إلى قلبه—أكرمه الله أو سامحه، لا ندري كيف نصنف فعلته حتى الآن!—ودار بينهما حديث عن ضعف بنية البنات الشاحبات. هنا، تبرع العامل بوصف "السر الأعظم" والصيغة السحرية الإعجازية التي يشربها الأطفال في قراهم بباكستان ليصبحوا بصحة الحديد، بل ويشربها الكبار ليزدادوا قوة وبأساً.
لم تكن الوصفة مجرد شوربة دافئة تمر بسلام، بل كانت اختراعاً مرعباً متكامل الأركان: كمية من اللحم الأحمر المسلوق، يُضاف إليها العدس الأصفر، وتُرمى فوقها أنواع مختلفة من الخضروات المسلوقة كالكوسا والجزر والبطاطس.. حتى هنا، يبدو الأمر مغذياً ومنطقياً. لكن الإبداع الباكستاني تجلى في الخطوة القاضية:
يُؤخذ هذا الخليط الساخن بأكمله بمرقته، ويوضع في خلاط المطبخ، ويُضرب ضرباً مبرحاً دون رحمة حتى تتلاشى ملامح اللحم والخضار، ويتحول إلى سائل لزج، ثقيل، وبني اللون!
والأنكى من ذلك، أن القرار السيادي صدر فوراً: على الأطفال الأبرياء (نحن الثلاثة) أن يتجرعوا هذا الاختراع السحري كل يوم صباحاً، ساخناً، وعلى الريق قبل التوجه إلى المدرسة.
ولم تتوقف الكارثة عندنا نحن البنات المريضات؛ بل إن الحماس الجارف دفع أبي وأمي إلى شمول "فارس" في قائمة الضحايا! نعم.. قرروا أن يشربها معِنا من باب "الوقاية خير من العلاج"، وزيادة الخير خيرين.
صار المشهد الصباحي يتكرر كأنه مشهد من فيلم كوميدي تراجيدي مستمر؛ نقف أنا وشقيقاتي في المطبخ بكامل أناقتنا المدرسية، حقائبنا الثقيلة فوق ظهورنا، وعيوننا شاخصة برعب تام نحو خلاط المطبخ وهو يدور ويزأر بصوته المرتفع، مُعلناً نضوج " الشوربة الباكستانية" كما سميناها."
تتقدم أمي بكل حنان وجدية، تصب المسحوق اللزج التي تتصاعد منه الأبخرة في أكواب زجاجية كبيرة، بينما يقف أبي بجوارها مبتسماً بملامح يملؤها اليقين والفخر، يتابع المشهد وكأنه يوزع علينا إكسير الحياة والمناعة المطلقة التي ستقهر المنجلية في ثوانٍ.
في هذه الأثناء، كان "فارس" يتحول إلى غزال شارد يركض في أرجاء الشقة صعوداً وهبوطاً، محاولاً الإفلات من قبضة أمي وأبي، وهو يصرخ بأعلى صوته باحتجاج مرير ويقين تام
- واللهِ العظيمِ أنا معافى! واللهِ ليس بي أيُّ علّة.
لكن توسلاته كانت تضيع أدراج الرياح أمام إصرار الوالدين اللذين لم يتركا له فرصة للهرب، حتى يمسكاه ويجبروه على أخذ نصيبه من الاختراع العجيب.
كنا نتبادل نظرات الوداع الأخيرة واليائسة، ثم نغلق أنوفنا الصغيرة بأصابعنا بإحكام حتى لا نتنفس الرائحة، ونرفع الأكواب لنتجرع هذا المزيج دفعة واحدة! لم يكن الطعم يشبه أي شيء خلقه الله في الكون؛ تخيل طعم ألياف اللحم المفرومة ناعماً مع كثافة العدس وسخونة الخضار، مزيج يرفض النزول بسلاسة في البلعوم ويعلق في منتصف الطريق. كنا نبتلعه والدموع تفر من عيوننا رغماً عنا، ليس من وجع المرض هذه المرة، بل من هول الصدمة والملمس اللزج!
وما إن ننهي الكوب حتى نتنفس الصعداء، وننطلق راكضين نحو باب المنزل اتجاه المدرسة، وأمعاؤنا تحاول جاهدة استيعاب تلك الشوربة التاريخية التي رافقت طفولتنا المأساوية، وظلت حتى يومنا هذا نكتتنا العائلية المفضلة التي نضحك عليها كلما تذكرنا كيف كان أبي وأمي يطاردان عافيتنا في كل مكان.
بسم الله الشافي
أما أنا، "زهرة"، أصغر زهرات البيت، فقد كان قدري أن أحمل العبء الأثقل من هذا المرض اللعين. منذ سنوات طفولتي الأولى، كانت صحتي هي الأكثر هشاشة، وجسدي الصغير الغض هو الميدان الأكثر شبهاً بالحرب؛ فكانت زياراتي للمستشفى ونقل الدم المتكرر تفوق ما مرت به شقيقتاي بكثير.
لم يكن المرض معي مجرد أرقام شاحبة في تقارير المختبرات، بل كان وجعاً حياً، كاسراً، ينهش أطرافي الغضة بلا رحمة. كانت نوبات الألم تباغتني كطعنات غادرة في منتصف الليل، فأستيقظ من نومي على صرخة مكتومة لا أملك لدفعها يداً، وأبكي بكاءً مريراً يمزق صمت البيت الهادئ.
وفي تلك اللحظات البائسه، لم يكن هناك أسرع ولا أحن من يدي أبي. كان "سعد" يهبّ من فراشه كمن أصابه برق، يندفع نحو غرفتي، ويلمّ جسدي الصغير المرتجف بين ذراعيه القويتين، يضمني إلى صدره الدافئ وكأنه يحاول أن يخبئني من الألم داخل ضلوعه.
كان يركض بي في عتمة الليل نحو السيارة، ومنها إلى المستشفى، حيث تبدأ الطقوس المعتادة: وخز الإبر، والمحاليل المنسابة في أوردتي الضعيفة، والمخدر الفوري الذي كان يهدئ ثورة الألم في أطرافي تدريجياً، لأسقط بعده في نوم ثقيل من الإنهاك.
وطوال تلك الليالي الطويلة، وحتى تشرق خيوط الصباح وتبدد تباشير الفجر عتمة الغرفة، لم تكن عين أبي تغمض، ولم تكن ذراعاه تتركانني. كان يجلس بجواري على ذلك الكرسي الخشبي القاسي، يمسد شعري بيده الحنون، ويهدهد روحي بكلمات تفيض باليقين. كان لسانه لا يفتر عن ذكر الله، يرتل الأذكار بصوت خفيض دافئ، ويدعو بدموع خاشعة تنبثق من أعماق قلبه المكلوم:
- بسمِ اللهِ الشافي.. اللهم اشفِ زهرتي وأنت الشافي، لا شفاءَ إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادرُ سقماً.. بسم الله الشافي..
كان صوته، الممتزج برائحة اليقين والدموع، هو المخدر الحقيقي الذي يتسلل إلى قلبي قبل جسدي، ليمنحني الأمان بأنني، طالما كنتُ بين يديه، سأكون بخير دائماً.