04/08/2026
هناك لحظات تختصر تاريخا كاملا من الفشل، ولا تحتاج إلى خطاب ملكي ولا لجان تحقيق ولا إلى تقارير خبراء ولا إلى آلاف الصفحات من الإحصاءات. لحظات تهدم في ثوانٍ ما تحاول الآلة الرسمية بناءه في سنوات.
طفل مغربي، لم يتجاوز العاشرة من عمره، يبكي أمام جندي إسباني، ويتوسل إليه ببراءة تقطع القلب: “نبوس ليك راسك… مترجعنيش للمغرب.”
قد يختلف الناس حول تفاصيل المشهد، لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها؛ لا يوجد طفل يولد وهو يحلم بأن يتوسل جنديا أجنبيا كي يبقى بعيدا عن وطنه. هذه ليست حالة طبيعية، ولا مشهدا عابرا، بل جرس إنذار يقرع بقوة في وجه دولة بأكملها.
هذا المشهد المؤلم جاء بعد أيام من خطاب الملك تحدث فيه عن الإنجازات الكبرى، وعن النجاحات، وعن الاستقرار، وعن المغرب الذي يسير في الطريق الصحيح. وكأن الحدود قررت أن تقدم رواية أخرى، أكثر صدقا وأقل تجميلا.
فالخطابات يمكن أن تُكتب داخل القصور، لكن الحقيقة تُكتب على الحدود.
الحقيقة يكتبها طفل يبكي خوفا من العودة.
ويكتبها شاب يرمي بنفسه في البحر لأنه لم يعد يرى في اليابسة أملًا.
وتكتبها أم تقبل المخاطرة بحياتها من أجل أن تمنح أبناءها فرصة أخرى خارج هذا الوطن.
الدول لا تُقاس بعدد الجسور التي بنتها، ولا بعدد الموانئ والقطارات فائقة السرعة، ولا بحجم الأبراج والمشاريع العملاقة والملاعب. الدول تُقاس بما يشعر به مواطنها وهو يستيقظ كل صباح. هل يشعر أن له مستقبلا؟ هل يشعر أن كرامته مصانة؟ هل يشعر أن هذا الوطن يتسع لأحلامه؟
عندما يتحول الوطن، في وعي عشرات آلاف الشباب، إلى محطة مؤقتة يجب الهروب منها، فإن الحديث عن الإنجازات يصبح ناقصا، لأن أي إنجاز يفقد معناه إذا كان الإنسان نفسه يبحث عن النجاة خارجه.
وحين يصل طفل إلى قناعة بأن مستقبله يبدأ لحظة خروجه من بلده، فإن المشكلة لم تعد مشكلة طفل، بل مشكلة وطن.
قد يستطيع الإعلام الرسمي أن يهاجم المعارضين، وقد تستطيع الدولة أن تكمم الأفواه، وقد تنجح حملات الدعاية في صناعة صورة براقة لبعض الوقت، لكن لا أحد يستطيع أن يمحو من ذاكرة الناس صورة طفل يبكي ويتوسل ألا يعود إلى وطنه.
هذه الصورة ستبقى.
ستبقى لأنها ليست مجرد لقطة إنسانية، بل مرآة تعكس واقعا مؤلما لا تستطيع البيانات الرسمية إخفاءه.