10/09/2026
لا أعرف متى بدأت أفعل ذلك، ولا إن كنت أفعله بالطريقة الصحيحة أصلًا.
لكنني أعرف أنني أشعر براحة أكبر حين أدخل الأشياء بتوقعات قليلة، ثم أتركها هي التي ترفع سقفها في داخلي.
أدخل شغلًا جديدًا، مثلًا، ولا أفترض أن مديري سيكون أفضل مدير قابلته في حياتي. لا أنتظر من الفريق أن يكون مثاليًا، ولا من الشركة أن تكون المكان الذي كنت أبحث عنه طوال عمري.
أبدأ من تحت.
ثم أراقب.
موقفًا بعد موقف.
إذا وجدت احترامًا، تتغير صورته قليلًا. إذا وجدت أنه يسمع، تتغير أكثر. إذا وقف مع فريقه وقت الأزمة، أضيف له شيئًا آخر. وإذا عرف متى يضغط ومتى يتركك تعمل، يبدأ في الوصول إلى مكانه الحقيقي في ذهني.
وفي النهاية، لا أكون قد أحببت الصورة التي تمنيت أن يكون عليها، بل الصورة التي بناها هو بنفسه أمامي.
وأفعل الشيء نفسه مع المكان.
لا أقرر من الأسبوع الأول أنه أفضل مكان عمل مررت به، ولا أحكم عليه بأنه الأسوأ. أتركه يعرفني بنفسه.
أراقب كيف تتخذ القرارات، كيف تتصرف الإدارة عندما تسوء الأمور، كيف يُعامل الخطأ، وهل الكلام يشبه الفعل، وهل الناس تساعد بعضها حين تضيق المساحة، أم أن كل شخص يبدأ في البحث عن طريق نجاته.
ومع الوقت، تتجمع التفاصيل.
حتى يصبح للمكان شكل أعرفه، لا لأنني اخترعته في رأسي، بل لأنني عشته.
وربما لهذا أتعامل مع الناس بالطريقة نفسها.
فالإنسان الجديد في حياتنا يغوينا بأن نكتب عنه قصة قبل أن نعرفه.
كلامه جميل، إذن هو شخص جميل.
اهتمامه كبير، إذن هو مختلف.
صوته هادئ، إذن هو طيب.
ثم يأتي الوقت، ويبدأ في تعديل القصة.
لذلك لا أحب أن أكتبها من البداية.
لا أفترض أن الإنسان سيئ، لكنني أيضًا لا أعطيه مكانة لم يكسبها بعد.
أترك الوقت يتكلم.
والحيوانات، التي لا تملك كل هذه اللغة التي نملكها، تعرف هذه المسألة بطريقة أبسط منا.
تخيل قطًا أمام يد غريبة: لا يهرب تمامًا، ولا يسلّم نفسه لها. يقترب قليلًا، يشمّها، يتراجع، ثم يعود عندما يطمئن.
والكلب لا يحتاج إلى وعد طويل كي يثق بك؛ يكفيه أن تعود غدًا، ثم بعد غد، ثم بعده.
والطائر، قبل أن يضع كامل وزنه على غصن، يختبره أولًا.
والحصان قد يقف أمام حاجز لم يره من قبل، لا لأنه ضعيف، بل لأنه لا يعرف بعد إن كان يمكن الوثوق بما أمامه.
في كل هذه المشاهد، هناك شيء واحد يتكرر:
الثقة لا تأتي من التوقع، بل من الدليل.
وربما نحن، رغم كل ما تعلمناه، نحتاج أحيانًا أن نتذكر ذلك.
لكن هنا تأتي المشكلة الأخرى.
فماذا لو خفضت توقعاتك أكثر مما ينبغي؟
قد تتحول الحماية إلى تنازل.
تقبل مديرًا سيئًا لأنك تقول: “المهم أنه ليس أسوأ.”
تقبل وظيفة لا تشبهك لأنك أقنعت نفسك أن القليل أفضل من لا شيء.
تقبل علاقة باردة لأنك لم تعد تنتظر الكثير من الناس.
وتعيش أقل مما تستطيع، فقط لأنك أصبحت بارعًا في إقناع نفسك بأن أي شيء فوق الحد الأدنى يعتبر جيدًا.
وهنا يصبح الـlow expectations خطرًا.
لذلك أظن أن هناك فرقًا لا ينبغي أن نخلطه بين خفض التوقعات ورفع المعايير.
أريد أن تكون معاييري عالية جدًا.
أريد أن أتعلم، وأن أكبر، وأن أعمل في بيئة محترمة، وأن أصنع شيئًا حقيقيًا.
هذه معايير.
لكنني لا أفترض أن الوظيفة الجديدة ستمنحني كل ذلك.
هذه توقعات.
المعيار يقول:
هذا ما أريده.
أما التوقع فيقول:
هذا ما أظن أنه سيحدث.
وربما يكون من الحكمة أن نرفع الأول ونخفض الثاني.
لأنك عندما تدخل تجربة وأنت تنتظر منها الكثير، ثم تعطيك أقل مما تخيلت، تشعر أنك خسرت شيئًا.
أما عندما تبدأ بالقليل، وكل يوم تضيف لك التجربة شيئًا، فإنك تشعر أنك تكسب.
وهذا لا يحدث في العمل فقط.
حتى المدن.
قد تذهب إلى مدينة وأنت مقتنع أنها أجمل مدينة في العالم. ثم ترى شارعًا مزدحمًا، أو يومًا سيئًا، فتشعر أنها خيبت أملك.
لكن إذا ذهبت إليها دون صورة مكتملة، قد تجد مقهى صغيرًا في شارع جانبي، أو شارعًا قديمًا لم يكن في خطتك، أو شخصًا قابلته بالصدفة.
وفجأة تبدأ المدينة في الارتفاع داخلك.
والصداقة ليست مختلفة.
أحيانًا يصبح شخص لم تتوقع منه شيئًا أقرب الناس إليك.
وأحيانًا يدخل شخص حياتك وأنت متأكد أنه سيكون صديق العمر، ثم يمر الوقت وتكتشف أنه كان مجرد مرحلة.
ليس دائمًا لأن الإنسان تغيّر.
أحيانًا لأن الصورة التي رسمناها عنه كانت أسرع من معرفتنا به.
وربما تظهر الفكرة بأوضح صورها في العلاقة بين شريكين.
هنا تحديدًا أظن أن علينا أن نرفع معاييرنا ونخفض توقعاتنا في الوقت نفسه.
أريد شريكًا أحترمه، وأشعر معه بالأمان، وأجد فيه الرفقة والرحمة والصدق. أريد علاقة أستطيع أن أكبر داخلها، لا أن أختفي فيها.
هذه معايير، ولا أرى سببًا لخفضها.
لكنني لا أريد أن أدخل العلاقة وأنا أحمل في رأسي قائمة بما يجب أن يفعله الطرف الآخر كل يوم حتى أشعر أنني محبوب.
لأن الحب، إذا عاش تحت هذه المراقبة، يمكن أن يتحول إلى حساب.
قال كلمة أقل مما توقعت، فأنا أستحق أكثر.
لم يسأل بالطريقة التي تخيلتها، إذن هناك مشكلة.
لم يفعل اليوم ما فعله بالأمس، إذن شيئًا ما تغيّر.
وبمرور الوقت، لا تعود تعيش العلاقة نفسها؛ تصبح واقفًا خارجها، تراقب أداء شريكك وتقارنه بصورة مثالية صنعتها أنت.
أما حين تكون توقعاتك متواضعة، دون أن تكون معاييرك كذلك، يحدث شيء مختلف.
تستطيع أن ترى الفعل كما هو.
لفتة صغيرة تصبح لفتة، لا شيئًا كان يجب أن يحدث أصلًا.
اهتمام عابر يصبح شيئًا تفرح به، لا شيئًا تعتبره حقًا مكتسبًا.
ومع كل مرة يفاجئك فيها شريكك بالخير، تكبر صورته في داخلك بدل أن تنقص لأن الواقع لم يطابق الخيال.
وربما يكون هذا أحد أسرار العلاقات التي تعيش طويلًا:
أن تظل قادرًا على أن تُفاجأ بالشخص نفسه.
بعد عشر سنوات، لا تنظر إليه باعتباره شخصًا تعرف كل شيء عنه وانتهى الأمر، بل تظل قادرًا على رؤية شيء جديد فيه، لأنك لم تدخل العلاقة يومًا بصورة نهائية عنه.
معاييرك تقول: أريد شخصًا أستطيع أن أبني معه حياة.
لكن توقعاتك تقول: دعني أرى من أنت، ثم دع الأيام تخبرني.
وهنا لا يصبح الحب أقل.
ربما يصبح أكثر حقيقة.
لأنك لا تحب نسخة مثالية صنعتها في البداية، بل إنسانًا رأيته في أيامه الجيدة والسيئة، في قوته وضعفه، في تغيره وثباته، ومع ذلك ظل يضيف إلى صورته عندك.
وكأنك، حتى بعد عشرات السنين، ما زلت تترك للعلاقة مساحة كي تكبر.
ولهذا ربما تكون إحدى أجمل صور الحب أن تعيش مع شخص سنوات طويلة، ومع ذلك لا تشعر أنك انتهيت من اكتشافه.
فالانبهار قد يجعلك تحب شخصًا كما تخيلته.
أما المعرفة، إذا لم تتحول إلى اعتياد، فتجعلك تحبه كما هو.
وهذا فرق هائل.
حتى الطفل يعرف هذه الحقيقة دون أن يعرف اسمها.
لا يعرف أن أباه “أفضل أب في العالم” لأن أحدًا أخبره بذلك.
يعرفها من التفاصيل:
يد تحمله عندما يقع.
شخص ينتظره عند باب المدرسة.
صوت يسمعه عندما يخاف.
وموقف يتكرر عشرات المرات حتى يتحول من موقف إلى يقين.
الثقة لم تأتِ من التوقع.
جاءت من التكرار.
ولهذا ربما تكون بعض العلاقات التي بُنيت ببطء أقوى من علاقات بدأت بانبهار شديد.
فالانبهار يعطيك صورة.
أما الوقت فيعطيك معرفة.
والفرق بينهما أن الصورة يمكن أن تنهار في يوم، بينما المعرفة تحتاج أن تُبنى.
لذلك لا أظن أن الحل هو أن نتوقع الأسوأ من كل شيء؛ فهذا تشاؤم وليس حكمة.
أنا فقط أفضل أن أترك الأشياء تبدأ من الصفر، ثم تجعل نفسها أكبر في عيني.
لا أريد أن أعطي شخصًا مكانة لم يكسبها، ولا أن أكره شخصًا لأنه لم يطابق صورة اخترعتها له، ولا أن أحب شركة لأنها وعدتني بصورة جميلة عنها.
ولا أريد أن أعتبر تجربة فاشلة فقط لأنها لم تكن كما تخيلتها.
أريد أن أدخلها بـمعايير واضحة، وتوقعات متواضعة، وعيون مفتوحة.
ثم أترك الأيام تضيف الأدلة.
أترك الناس يقولون من هم، لا من ظننت أنهم سيكونون.
وأترك الأماكن تعرفني بنفسها.
ربما لا تأتي الأشياء الجميلة كاملة.
أحيانًا نكتشفها.
وأحيانًا نبنيها.
وأحيانًا ننظر في النهاية إلى شيء لم نكن نتوقع منه شيئًا، فنكتشف أننا أصبحنا نعرفه أكثر من أشياء دخلت حياتنا ونحن متأكدون منذ اللحظة الأولى أنها ستكون عظيمة.
ولهذا لا أخاف كثيرًا من البداية من تحت.
فالصعود، حتى لو كان بطيئًا، يظل صعودًا.
أما السقوط من فوق، فلا يسقط معه الشيء وحده.
أحيانًا تسقط معه الصورة التي صنعناها عنه، وأحيانًا جزء من الصورة التي صنعناها عن أنفسنا.
وربما لهذا صرت أفضل أن أترك خيالي متأخرًا قليلًا عن الحياة.
أن أعرف قبل أن أحكم.
وأن أرى قبل أن أتوقع.
وأن أترك الأشياء، والناس، وحتى الحب، يكتسبون مكانهم في داخلي ببطء.
لا لأنني أخاف أن أخيب.
بل لأنني أريد، حين أحب شيئًا، أن أعرف أنني أحببته هو.
لا النسخة التي صنعتها عنه قبل أن أعرفه.
#البلانر