21/02/2026
الذهب السوداني.. من مورد اقتصادي إلى وباء اجتماعي ومغذٍ للمليشيات
بقلم: مهندس خالد محمد مختار الشفيع
٢١ فبراير ٢٠٢٦
---
مقدمة: تأملات في تحولات الهمة السودانية
على مدى أعوام طويلة، وأنا أراقب أبناء بلدي السودان وهم يهيمون على وجوههم، يعانون من البطالة والأفق المحدود. لا أجد فيهم إلا القليل النادر ممن يكتفي بعمل مشروع استثماري محدود جداً، يبنيه بصبر ويعتني به كأنه نبتة يرجو ثمرها بعد مواسم من العناية.
وفي أواخر الثمانينات وبداية التسعينات، طرأت على السطح قصة انهيار الجنيه السوداني، فظهرت تجارة العملة بارتفاعها الغريب. أصبح الشارع السوداني يعيش "ترنداً" كثيفاً لا يخطئه بصر: مجموعات من الرجال بمختلف أعمارهم يجوبون الشوارع والأسواق، ينادون بصوت واحد "دولار.. ريال.. شيك سياحي"، وكأن التجارة على قارعة الطريق أصبحت المهنة الأولى. انتشر هذا النهج كوباء الكوليرا، حتى طال المستثمرين أنفسهم، فتحولت مقار استثماراتهم وشركاتهم إلى ساحات لهذا الكسب السريع.
واليوم، نعيش مأساة جديدة. تحولت السلعة وأصبح "الترند" الجديد هو الذهب. ترك الجميع ما يجب أن يفعلوه لدعم اقتصاد هذا البلد، وذهبوا إلى مناطق الذهب: المهندس الزراعي، الراعي، الطبيب، الاقتصادي، رجل القانون، المدرس، المحاضر، العسكري... وحتى الحرامي للأسف لحق بهم!
هذا المشهد يطرح سؤالاً مؤلماً: كيف تقوم لبقية الاستثمارات في بقية القطاعات قائمة، ما لم يركز الجميع على صنعتهم ويتركوا هذا الذهب، ويتعاملوا معه كأنه شأنه شأن بقية المشروعات؟
وهنا يجب على الدولة أن تغير اتفاقياتها وإدارتها لهذا المرفق الحيوي، حتى يكون المستثمر في استخراج الذهب مثل الذي يزرع الأرض، والذي يبني المنازل، والذي يعمل بالتدريس، والذي يعمل بالمستشفيات، وإلى آخره.
ولا ننسى أبداً أن الاستمرار على هذا النهج من السياسات في إدارة الذهب والتنقيب عنه هو الدعم الحقيقي لتعدد المليشيات المسلحة وتفريخها بصورة متسارعة.
---
أولاً: التشخيص – تحول الذهب من "مورد" إلى "وباء اجتماعي"
ما نشهده اليوم في السودان ليس مجرد حمى تنقيب عابرة، بل هو تحول عميق في همة المجتمع وطاقته من الإنتاج والبناء إلى الاستخراع السريع والبحث عن الثراء الفوري. عندما يترك المهندس الزراعي أرضه ومعرفته، ويترك الطبيب مهنته الإنسانية، ويتحول الجميع نحو الذهب، فهذا يعني أن المجتمع قد أصيب بخلل في الأول